الثلاثاء، 22 مارس 2011

إليوت في شعره المُبكِر

قصائد إليوت هذه كُتبت ما بين ( 1907- 1910 ) في جامعة هارفارد. حيث كان يعمل عضواً في هيئة تحرير مجلة أدبية للطلاب. ولد إليوت في سانت لويس بولاية ميسوري.
لعائلته جذور إنكليزية, حيث كان يقضي إجازات الصيف في غلوسيستر، ماساتشوستيس و شمال بوسطن. قبل دراسته في جامعة هارفارد، كان يدرس في أكاديمية سميث في سانت لويس و أكاديمية ميلتون في ماساتشوسيتس و بعد تلقيه درجة ال   ( A.M) حصل إليوت على الدكتوراة في الفلسفة من جامعة هارفارد. بين عامي ( 1910 -1911) درس إليوت في جامعة السوربون في باريس, و في عام 1914 غادر ليدرس في كلية ميرتون في أُكسفورد.
عام 1915 تزوج من سيدة إنكليزية تدعى فيفيان هايغ وود, و قرر أن يبقى في إنكلترا كأحد الرّعايا البريطانيين. ولكن مع أنّه أكمل أطروحة الدكتوراه إلاّ إنّه لم يذهب أبداً إلى جامعة هارفارد لمناقشتها. بين عامي ( 1917 – 1925) عمل في بنك لويدز، ومن ثم انضمّ إلى دار نشر ( فابر وغوير ) التي أصبحت فيما بعد( فابر و فابر) حيث أمضى بقية حياته.
إليوت في شعره المبكر
في مقابلة أجريت معه 1959 لمجلة (The Paris Review) تكلّم إليوت عن شعره المبكر مع التركيز على قصيدة “Song” التي ظهرت في صحيفة أكاديمية سميث ومن ثم بشكل مختلف في هارفارد.
المحاور- ربما يمكنني البدء من البداية, هل يمكنك تذكر الظروف التي بدأت بها كتابة الشعر في سانت لويس عندما كنت يافعاً؟
إليوت- أعتقد أنني بدأت في عمر الرابعة عشر بإلهام من عمر الخَيام لكتابة عددٍ من القصائد المُلحدة و المُحبطة على نفس النمط، والتي لحسن الحظ تجاوزتها تماماً و هي الآن  غير موجودة, لم أُظهِرْها لأحد.
قصيدتي الأولى في سجلات أكاديمية سميث، و من ثم جامعة هارفارد كُتبَتْ كتمرين لمدرسيّ اللغة الإنكليزية، و قد كانت من وحي “بن جونسون”,  و أنا أعتبرها جيدة جداً بالنسبة لشاب في الخامسة عشر أو السادسة عشر من عمره. ومن ثم كُتبتُ القليل في هارفارد، أي ما يكفي لتأهيلي لانتخابات رئاسة تحرير مجلة أدبية في جامعة هارفارد التي استمتعت بها, و من ثم حصل معي ما يشبه الانفجار إذ أصبح إنتاجي أكثر بتأثير من “بودلير”، و من ثم “جولز لافورغ” الذي اكتشفته في سنواتي الأولى في هارفارد.
أغنية
عندما عدْنا إلى البيت عبر التّل
لم يكن هناك أوراق تتساقط من الأشجار؛
الأنامل الناعمة للنسيم
لم تمزّق بيوت العنكبوت المرتعِشة.
السياج  ما زال  يضجُّ بالزهور،
لا بتلات ذابلة قربه؛
و لكن زنابق إكليلك البريّة
خبَتْ, و صارَتْ أوراقها بنيّة اللون.
أغنية
إذا كان الفراغ و الوقت، كما يقول الحكماء
أشياء لا يمكن أن تنوجد.
الذبابة التي تعيش يوماً واحداً
قد عاشت طويلاً مثلنا.
مع ذلك فلنعشْ ما دمنا أحياء،
بينما الحب و الحياة أحرار،
لأنّ الوقت وقت، وسيهرول بعيداً،
مع أنّ الحكماء لا يوافقون.
الزهور التي أرسلتها  لك بينما كان الندى
يرجفُ على العريشة؛
قد ذبلتْ قبل أن يطير النحل البريّ.
ليرشف زهرة النسرين,
و مع ذلك فلنسرع و نقطف أخرى
من دون حزن لرؤيتها تذبل,
مع أن زهور الحب قليلة
لتكن مقدسة.
*
قبل الصباح
بينما كان الشرق كلّه يُحيكُ الأحمر بالرّمادي
تدلّتْ الزهور على النافذة ّ إلى الأسفل باتجاه الفجر،
بتلة فوق بتلة, تنتظر النّهار،
زهور نضرة, زهور ذابلة, زهور الفجر.
زهور الصّباح  و زهور البارحة
عطرها يتلاشى في الغرفة عند الفجر،
عطر التّفتح و عطر التّلاشي،
زهور نضرة، زهور ذابلة, زهور الفجر.
قصر سيرس
حول نافورتها التي تجري
بأصوات الرجال المتألمين,
زهورٌ لا يعرفها أحد.
بتلاتها حمراء بمخالب
و بمسحة واهية من عار مُتخفٍّ.
أزهرتْ من أطراف الموتى.–
لن نأتي إلى هنا ثانية.
الفهود تنهضُ من عرينها
في الغابة التي تتكثّفُ في الأسفل،
على طول درج الحديقة
يستلقي الثعبان الخامل؛
مشيةُ الطاووس، متغَطرسة وبطيئة
الجميع ينظر إلينا
بعيون رجال عرفناهم منذ أمدٍ طويل.
في اللوحة
وسط زحام أحلامٍ مُحتشدة، ليستْ مألوفة لدينا
لعقولٍ متحفّزة و أقدام ضجرة,
أبداً تسرعُ، جيئةً و ذهاباً على الطّريق,
في الليل تقف وحيدة في الغرفة.
ليس كآلهة ساكنة منحوتة من الحجر
بل سريعة الزّوال، كشيء علينا أن نلتقيه.
*اللاّميا الحالمة من  بعض الغابات انسَحَبَتْ،
هي الخيال اللامرئي لكلٍّ منّا.
لا تأملات سعيدة, أو مُنذرة بالشؤم
تُربِكُ شفتيها, أو تحرّك يديها المُرهَفَتين؛
عيناها الدّاكنتان تُخفيان أسرارها عنّا,
خلف عالم أفكارنا تقف.
الببغاء على الحاجز, جاسوس صامت،
يَرقبها بفضولٍ وأناة.
*اللاّميا : وحش خرافي له جسد أفعى و رأس امرأة، يُغري الأطفال و الفتيان لمصِّ دمائهم.
أغنية
زهرة القمر تتفتح لفراشة البشارة,
السّديم يزحف من البحر؛
بومة الثلج، طيرٌ أبيض كبير.
من شجرة الماء تنزلقُ
الزهور، والحب الذي تُكنّه
الأكثر بياضاً من سديم البحر؛
ألديك زهورٌ استوائية أكثر إشراقاً
و بحياة قرمزية، لي.
المقطوعة الحالمة
روميو العاشق المهيب، المتمسّك
بالغيتار و القبعة في اليد، قرب البوابة
مع جولييت, في الحوار المعتاد عن
الحب, بالقرب من قمر ملول و لكن وقور؛
تتعذّر المحاورة، يعزف شيئاً من لحنٍ
سخيف، وغير مثيرٍ للشفقة كما يليقُ بهما
خلف الجدار، لديّ بعض الخدم ينتظرون،
طعنة، و تغوصُ السيدة في إغماءة لذيذة.
* الدّم يبدو مؤئراً على الأرض المُقْمِرة
البطل يبتسم؛ بمزاجٍي الأعلى الموارب
صوب القمر أُدحرجُ عيناً مخبولة عصية على الفهم،
(ليس من حاجة إلى “حبٍ أبدي”؟- – “حب في الأسبوع القادم؟”)
بينما تغرق كلّ القارئات بالدمع:–
“كلُّ العشاق الحقيقيون يرغبن بالذّروة المثلى!”
كآبة
الأحد: هذه السّلسلة من وجوه
الأحد الرّاضية المحدّدة؛
أغطية رأس, قبعات حريريّة و نِعَمْ واعية
لا تملُّ من الاستيلاء
على منطقك الخاص
بهذا الاستطراد اللامبرر.
مساء, أنوار, شاي!
أولاد و قطط في الزقاق؛
ضجر يعجز عن مقاومة
هذه المُؤامرة المُملّة.
* و الحياة، جرداء قليلاً ورمادية,
فاترة, مُرهفة, و رقيقة،
انتظارات, القبعة و القفازات في اليد.
تعديل الياقة و البدلة
(نوعاً ما لا صبر لي على التّأخير)
على عتبة المطلق.
قصيدة غنائية
لأجل الساعة التي غادَرَنا فيها  معرض هارفارد, معك،
و قبل أن نواجه  السّنوات المُزعجة,
في ظلّك ننتظر, بينما يبدد حضورك,
ترددنا العقيم و مخاوفنا,
و دائماً نعود كأبناءٍ لك،
بقوة الآمال التي تمنحها مباركتك,
و من الآمال و الطّموحات التي ازهرّت عند قدميك
لأفكار من الماضي  كلَّما مضينا.
الآن لأجل كل  السّنوات التي خسرها الغد
ما زلنا الأقل قدرة على الحزن،
بالكثير الذي حملناه بعيداً من هارفارد..
بدلاً من الحياة التي غادرناها.

أنا والسوريالية

شغلت السريالية منذ زمن بعيد كمدرسة وفن الكثير من الدارسين، للتوقف عند رموزها ومنجزاتهم منذ البدايات الأولى التي تلت بيانها الأول، وكان الفنان الاسباني سلفادور دالي واحدا من رموز تلك الحركة الفنية والأدبية، التي أخذت على عاتقها الدخول إلى الحلم والغرائبية نسقا واتجاها فنيا يلزم أصحابها التوظيف الفني لتعزيز خطابها النظري ويقدم هذا الكتاب عبر ترجمة وتقديم بارزين الفنان (دالي) سيرته مع السريالية مبتدأ هذا الكتاب بتقديم اندريه بارنيود الذي يقول عن كتابه وشخصه مبتدئاً بأنهما يرسخان حضور جبال المتناقضات معا، يريد بهذا الوصف تمييز الأشياء المحيطة بسلفادور بأوراق عشب أحبها ونساء يرسمهن وفقا لخياله وبحياة سرية لم تجلب الحقيقة إلا بإعطاء إجاباته عن الطفولة والفن والعبقرية.
 لقد رأينا في الكتاب الذي يقع في تسعة عشر فصلا الفنان يركز على ثنائية الحياة مع الموت وهو تذكير بسلوكيته تجاه أبيه الذي أحب أخاه قبل موته ولدرجة وعمق تلك المحبة اسماه على نفس الاسم ومن هنا تبدو مكابرة دالي على تأسيس خطاب المغايرة والرفض لطبيعة الأب الذي يرى في شخصيته صورة شخصية  أخرى أحبها ذات يوم ثم ارتحلت بعيدا عن ناظريه.
ويبدو من كتابة هذه السيرة أن دالي لم يخش الموت وكان أكثر جدية مع التلاعب وفقا لنمط سلوكه وتحركاته الطفولية مع أشياء مخيفة .في الفصل الثاني يكتب الفنان التشكيلي عن ذكرياته مع أبيه ويصفه بأنه عملاق في قوته وعنفه وسلطته وحبه القاهر ثم يركز على طبيعة غرائبية نشأته مع التربية الأسرية  والصورة القسرية  التي يعتقدها أتت عن طريق التشابه وتطابق الاسم الأول لأخيه الراحل.ومن هنا نقرأ الأسباب التي يقف على كنهها واستبطانها في استحضار خياله عن الرب واستعداده لتحمل الألم والعذاب.  (سلفادور) في وصف ذاته وطبيعة علاقته مع الأب نراها مختلفة عن حبه لامه، فهناك تلازم في الإحساس تجاهها، الفصل الثالث حمل تساؤلا مفاده كيف ترقى النزوة حتى تشكل نظاما ؟ يرى مقدم كتاب أنا والسوريالية بان دالي قد اكتشف ممرات للوحي والابتهاج وان الق السعادة لا يتبدى إلا للعيون الصافية. في هذا الفصل هناك عدة مواضيع تجانست في سياقها الوصفي المقدم لنا عن ذكريات دالي منها على سبيل المثال ما كان يحلم به أثناء اليقظة وللهذيان أمثلة قليلة في الحياة وما حدود قوة المثالي والحقيقي، هذا الفصل يكشف عن تلك العبقرية التي لازمته منذ الصبا وتحولاته نحو الفن.أما الفصل الربع فهو مكمل لما سبق إذ يتحدث عن اكتشاف العبقرية لديه...لقد صنع حسنا عندما وضع مقدم الكتاب عناوين فرعية لكل مادة متعلقة بجزء من تلك الذكريات، فمع مسيرة السوريالية نقف عند إيلوار وبريتون والحركة ونظرة دالي للعالم وعلاقته ب(جالا)، فمن الغريب وصفه لها بأنها المرآة المسحورة وبعد تعميق عاطفي تجاهها يدلنا على تشكيل النسيج الكامل لحياته، فهي مهد لمتعته الباطنية والفنية حتى ان هذا التحول العاطفي نقله باعترافه إلى سطح اللوحة لقد صرح وبشكل مباشر بأنها حافز أساسي في حياته، لقد لامس  الشعور الخفي والمعلن حياته بالاعتراف بان عطاياها في الحب كانت مهمة والحديث معها كان ضروريا لروحه الفنانة. يلازم هذا الكتاب الصادر أخيرا في دبي توقفات مهمة اعتلاها فنانا حتى لحظة حلمه في السفر إلى أمريكا، إذ يعدها المحطة المصحوبة بحلم لم يتوقف الكتاب الذي ضم فصولا متنوعة بقيت مادته تدفع بالمعلومات بشكل تراتبي يسعفنا بالمعلومة المغيبة عنا، فهناك الرسائل الشخصية وهناك القصائد المكتوبة بلغة العاطفة حيال امرأة أحبها وشغف بها هناك دلالة المكان وثنائية (الأب / إلام) وتركاتهم الجوانية حيال فنان أبدع وقدم فصلا مهما من الفن تنظيرا وتطبيقا.ففي تلك الفصول المستوحاة من حياته يشير فيها إلى الفن نتواصل مع رحلته بشرحه التلقائي للمعرفة حسب رؤيته، وهناك شروح عن تقديم بعض أعماله إلى اندريه بريتون وتتلخص واحد من رؤاه الفنية بعبارته المشهورة التي يذكرها هنا بان أعمال السريالية تقع في المنطقة الوسطى بين العلم والفن على ضفاف نهر اللامعقول ونحن فيها امهر الملاحين.
اعتقد أن هذا الكتاب بقدر ما يعطينا زخما بمعرفة حياة سلفادور فانه يوضح عبر سيرته الشخصية، الكثير من الخفايا التي غابت عن أذهاننا عن تجربة فنية عميقة ورصينة ومؤثرة .عن بدايات نجهلها ومشاعر لم نتفهمها إلا بعد توضيح مغزاها العاطفي والحسي.
خضير الزيدي

محمود درويش... وبريخت

هل تأثر محمود درويش بالكاتب المسرحي الألماني (برتولد بريخت)؟ علماً بأن الأخير ليس شاعراً بالدرجة الأولى، مع أنه كتب الشعر. إنه كاتب مسرحي جدّد في المسرح وكانت له فيه آراء وتجديدات جعلته يقف في جانب مواز لأرسطو. وكل من يدرس المسرح أو يُدرسّه يدرس عن مسرح أرسطو وخصائصه، ويدرس في المقابل عن مسرح (بريخت)، وهو ما يعرف بالمسرح الملحمي الذي يتميز بما يعرف بالتغريب (Verfremdung).
غير أن كتابات (بريخت)، كما ذكرنا، لم تقتصر على كتابة النصوص المسرحية. لقد كتب اليوميات، وكتب القصائد القصيرة الساخرة يوم كان يقيم في المنفى إبان الحكم النازي؛ القصائد التي تعرف بفن الإبجرام، وكتب أيضا القصص القصيرة ذات الدلالات الرمزية، وله كتاب فيها عنوانه "قصص السيد كوينر"، وفوق هذا فله دراسات عن فن المسرح.
ولقد نعت (بريخت) بأنه غير مريح. أيام حياته قالوا عنه "المعاصر غير المريح"، "وقد ثار جدل واسع حوله، كما دارت فيه خصومة، وكان الخصام بسبب موقفه السياسي ومفهومه السياسي الذي انعكس في مسرحه وعمله السياسي، بخاصة في أيامه الأخيرة" (Margret Dietrich).
ولم يكتب محمود درويش المسرح حتى نقول إنه متأثر بمسرح (بريخت)، خلافا لما نذهب إليه حين ندرس مسرح سعد الله ونوس العربي السوري. ولا أدري إن كانت هناك دراسات أتت على تأثر درويش ببريخت. ثمة دراسات كثيرة أنجزت عن تأثره بشعراء عرب وغير عرب. مثلا تأثر درويش في ديوانه الأول "عصافير بلا أجنحة" بالشاعر السوري نزار قباني، ولم ينكر هذا، فلقد أقرّ به في مقابلات عديدة. وتأثر درويش ب(ت.س. إليوت) و (لوركا) و(لويس أراغون) و(بابلو نيرودا)، وهذا ما تابعه دارسون وكتبوا فيه، وهذا ما أقرّ به درويش نفسه.
فهو يعرف أنه يمارس بوعي مسألة التناص أو الإحالات، إنها جزء أساسي من مشروعه، انطلاقا من أنه لا توجد كتابه تبدأ من الآن، فليست هناك أول كتابة، أو كتابة تبدأ من بياض. وليس هناك شاعر خال من عدة شعراء، وقد يكون أي شاعر هو كل الشعراء، "فالاستناد إلى محاورات هو جزء من عملية تقنية، وهو جزء أيضا من اعتراف الشاعر بأنه ليس فرديا لهذا الحد، فهو صوت الفرد ولكنه نتاج تراكم ثقافي" (انظر مجلة الشعراء (رام الله) العدد 4 و5، ربيع وصيف 1999، ص18).
والشاعر نتاج قراءاته، ولربما يتذكر قارئو الدراسات التي أنجزها بعض الدارسين العرب عن السياب ونازك الملائكة ما قام به د. عبد الواحد لؤلؤة، إذ عاد إلى مكتبة المعهد الذي درس فيه هذان، ونظر في الكتب التي استعاراها ليعرف لمن قرأا، وليأتي بالدليل، إن كان الشعر الإنجليزي مثلا عاملا من عوامل انبثاق قصيدة التفعيلة، وستنجز فيما بعد، دراسات عديدة عن تأثر السياب بشعراء وشاعرات إنجليز.
وفي مجلة الكرمل (عدد 86، شتاء 2006) يسأل عبده وازن محمود درويش عن الشعراء الذين يقرأهم الآن، فيعدد له درويش أبرزهم: (ريتسوس) و(أراغون)، ويقر بأن شاعره المفضل هو (نيرودا). ولما كان في فلسطين، قبل المغادرة في العام 1970، قرأ (لوركا) و (نيرودا) وتأثر بهما وخصوصا (لوركا) (ص36 و37).
واعتماداً على ما سبق، على ما قاله درويش في الشعراء، وفي الكرمل، فإن فهم درويش جيدا لا بد من أن يقوم على دراسة الشعراء الذين قرأهم، ونشير هنا أيضا إلى أنه قرأ الأدب العبري، وشكلت قراءته هذه مكونا من مكونات قصائده، ما حدا ببعض الدارسين إلى الإشارة إلى ذلك، بل وإنجاز رسائل أكاديمية في الموضوع. ومع ذلك فأظن ان هناك ما لم ينجز في هذا الباب، في أثناء دراسة درويش، وأظن أن أساتذة الأدب المقارن في جامعاتنا مقصرون، فهم لم يلتفتوا إلى باب مهم من أبواب دراسة أدبنا، ممثلا في قاريء للأدب العالمي ومتأثر به هو محمود درويش.
هل تأثر محمود درويش بـ(بريخت)؟
لا شك أن درويش قرأ (بريخت)، بل وكتب قصيدة في ديوان "لماذا تركت الحصان وحيدا؟" (1995) عنوانها: شهادة من برتولد بريخت أمام محكمة عسكرية 1967". وربما زار أيضا مسرحه في برلين الشرقية يوم زار هذه المدينة، إبان الحكم الشيوعي لها في الستينات والسبعينات والثمانينات، وشاهد ما عرض لبريخت من مسرحيات على مسرحه الذي شكل معلماً مهماً من معالم المدينة، وما زال حتى اللحظة أيضا، و(بريخت) مثل (هاينرش بول) احتفل به الألمان الشرقيون والغربيون على السواء، يوم كانت ألمانية تنقسم إلى شرقية وغربية، وطبعت أعمالهما هنا وهناك، بل ودرست في الجامعات هنا وهناك أيضا.
أنا شخصياً لم أقرأ دراسة أو مقالة عن تأثر الشاعر بالكاتب المسرحي، وإن كنت على يقين من أنه قرأه وقرأ من تأثر به- أي سعد الله ونوس. وربما لم يلفت نظري في المقابلات التي أجريت مع درويش أنه أتى على ذكر (بريخت) وتأثره به. ربما، فعلى الرغم من متابعتي لأكثر ما يكتبه الشاعر وما يجريه من مقابلات، مكتوبة ومرئية مسموعة على شاشة التلفاز، على الرغم من هذا فإن عبارة ما، أو جملة ما، أو سؤالا ما، عن علاقته به لم تثبت في الذاكرة، ذاكرتي. إذن من أين خطرت لي الفكرة، فكرة تأثر الشاعر بالكاتب المسرحي؟
يحتفل الألمان، في هذه الأيام، بالذكرى الخمسين لوفاة (بريخت). وأنا أتابع هذا من خلال فضائية ZDF- أي القناة الألمانية الثانية، وفي منتصف آب قدم مقدمو البرامج غير تقرير عن احتفالات الألمان بهذه المناسبة، بل وأثاروا في التقارير تساؤلات عن الكاتب، وأتوا على بعض آرائه، وذكروا أنه كان مفكراً، دون أن ينحازوا إليه انحيازاً أعمى، فهم يتساءلون إن كان على حق فيما كتبه وتبناه من مواقف، ولم أصغ إلى الإجابة ربما لأنني لم أتابع البرامج كلها التي قدمت عنه. عدا أنه، كما ذهبت ابتداءً، اعتمادا على دراسة (مارغريت ديترش) كان موضع خصام. كان له محبون وكارهون، وقد ثارت حوله خصومة. وهكذا سيكون هناك من يقول إنه كان على حق، وسيكون هناك من يقول إنه لم يكن على حق.
ما جعلني أتذكر محمود درويش وأنا أتابع ما يقدم من تقارير عن (بريخت) ما ورد عن سؤال (بريخت) نفسه حول علاقة النظام بالشعب. إذا لم ينتخب الشعب النظام، فعليه- أي النظام- أن يوجد شعبا ينتخبه- أن يستبدل الشعب بشعب آخر، لا أن يتنازل النظام عن الحكم لآخرين ينتخبهم الشعب، فالنظام المتسلط، النظام الديكتاتوري هو أكبر من الشعب، وبدلا من أن يلبي رغبات الشعب، ويحقق آماله وتطلعاته، على الشعب أن يلبي رغبات النظام، وأن يطيعه، فالنظام هو الأهم. وكم كان (بريخت) ساخراً! وربما لهذا اضطر أن يغادر بلاده إبان الحكم النازي، ليقيم في المنفى، وليكتب قصائد قصيرة ساخرة لاذعة، وليكتب"قصص السيد كوينر"، التي عبر فيها عن علاقة الشعب بالدكتاتور، حين يصمت الأول ولا يقول: لا. من الذي يجعل من الدكتاتور دكتاتورا يخدمه الجميع؟ لكن هذا سوف يترهل، لأن الآخرين يقومون على خدمته، سوف يتضخم لينهار أيضا، وليموت. هذه الفكرة، فكرة اختيار النظام لشعبه، بدلا من اختيار الشعب لنظامه، عبر عنها محمود درويش أيضا بسخرية لاذعة، تماما كما كان (بريخت) ساخراً. هل تذكرون خطب الدكتاتور الموزونة التي نشرها محمود درويش في أواسط الثمانينات في مجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس. حقا إن درويش في رسائله لسميح القاسم التي نشرها أيضا على صفحات "اليوم السابع" قبل أن ينشرها إميل حبيبي في كتاب "الرسائل" أشار إلى ان قراءاته لأدب أمريكا اللاتينية هي ما أوحت له بكتابة الخطب، وأنه أراد فيها أن يسخر من الدكتاتور العربي، إلا أن بعض ما ورد فيها يذكر بمقولات (بريخت) آنفة الذكر.
في رسالة درويش إلى سميح بتاريخ 9/9/86 يكتب: " الدكتاتور يتلاعب بمصائرنا…. الدكتاتور يعيش في حياتنا، ويصوغ أسطورته التدريجية. هل خطر لحاكم أمريكي لاتيني أن يسلط صورته على القمر بالأشعة ليؤمن الناس بنبوءته عندما يرون وجهه طالعا من القمر، كما قد يفعل حاكم عربي، أفي وسعنا أن نواجه هذه الظواهر الساخرة بغير السخرية؟" (الرسائل، ص85).
وفي خطاب الجلوس يكتب درويش متقمصا شخصية الدكتاتور:
"سأختار شعبي
سأختار أفراد شعبي
سأختاركم واحداً واحداً من سلالة
أمي ومن مذهبي
سأختاركم كي تكونوا جديرين بي
إذن أوقفوا الآن تصفيقكم كي
تكونوا جديرين بي وبحبي"
ويتابع:
" سأختار أفراد شعبي
سأختاركم واحدً واحدأ مرة كل
خمس سنين
وانتم تزكونني مرة كل عشرين
عاماً إذا لزم الأمر،
أو مرة للأبد..
………….
قد اخترت شعبي واختارني الآن
شعبي…
فسيروا إلى خدمتي آمنين…
أذنت لكم أن تخروا على قدمي
ساجدين…
فطوبى لكم… ثم طوبى لنا
أجمعين!
هذه الأيام يحتفل الألمان بذكرى وفاة (بريخت) الخمسين، فقد توفي، هو المولود في العام 1898، في العام 1956، ولقد خطر السؤال على بالي وأنا أتابع فضائية ZDF. وكان (بريخت)، حين قال عبارته، ساخراً، ودرويش في خطابه ساخر أيضاً. حقا إن ما يحيط بلحظة الخطاب يقول لنا إن الشاعر كتبه بوحي من قراءاته لروايات كتاب أمريكا اللاتينية، مثل "السيد الرئيس" لـ(استورياس)، و"خريف البطريرك" لـ(ماركيز)، إلا أن فكرة اختيار الدكتاتور لشعبه وردت على لسان (بريخت)، فهل تأثر درويش بها؟
وكما ذكرت فقد كتب درويش في ديوانه "لماذا تركت الحصان وحيدا؟" (1995) قصيدة عنوانها "شهادة من برتولد بريخت أمام محكمة عسكرية 1967" ربما تحتاج إلى تحليل، بخاصة معرفة أنا المتكلم فيها، وما يقوله، فالديوان سيرة شعرية لدرويش، ولكن لا أظن ان الأنا في القصيدة هي أنا درويش الشاعر، إذ ربما تكون أنا جندي إسرائيلي يرفض الحرب التي رفضها أيضا (برتولد بريخت)، الحرب غير العادلة التي يرفضها أيضا الشاعر نفسه. إن القصيدة تستحضر العام 1967 وما جرى فيه- أي حرب حزيران- وما قام به الطيارون الإسرائيليون الذين يرفض أنا المتكلم سلوكهم، وإن كان هو أيضا عابرا بين العابرين، ولعلي أعود ذات نهار- إلى تحليل القصيدة والتوسع فيها.
عادل الأسطة

شعر مظفر النواب الشعبي

كانت السنوات الخمس التي اعقبت ثورة 14 تموز 1958 ، فترة شعرية غزيرة وخصبة بكل المعاني في حياة الشاعر مظفر النواب ، والطريف ان هذا الخصب الكمي والنوعي الذي نحاول دراسته في هذه المقالة ، قد تم وسط دوامة عاصفة من الاحداث المأساوية المتلاحقة على صعيد التاريخ السياسي للعراق او الفرد العراقي او المواقف التي خاضها الشاعر نفسه كمثقف التزم قضايا الانسان وعاشها بثبات حزين ، رغم ما لحق به من سجن وجور
وتشريد وطرد من مهنة التعليم ، وتنقلاته بين سجون مختلفة ، ومحاولاته الدؤوبة الناجحة والمخفقة في الهرب والانطلاق ، وتسلله عبر الحدود الايرانية وايداعه السجن هناك ايام حكم الشاه ، ثم تسليمه الى الحكومة العراقية ليواجه حكما بالاعدام ، ثم هربه من سجن الحلة واللجوء الى اهوار الجنوب.

دورة زمنية عاتية من حياة ، قضاها الشاعر وهو لم يتعد وقتها الثلاثين من عمره، حتى سنة 1969 ونجاحه في السفر مصادفة الى خارج العراق وتحرره النهائي .

برغم ذلك، اسفرت هذه الحياة النضالية الشاقة ابان السنوات الخمس المشار اليها دفقا شعريا هائلا ، كأنما كان الشعر
التزاما لدى الشاعر امام قضية عالجها بالشعر ،كسؤال ابدي يمثل الوجه الاخر للحياة المتحدية بصيرورتها المستمرة شروط
تخوم الموت.

وحسبنا ان نشير الى تواريخ قصائده المنشورة في متن ديوانه الاول ،(للريل وحمد) التي تتراوح تواريخ كتابتها بين اعوام 1959 –1964حيث ثبتها بنفسه مذيلا بها قصائده، حتى تلك التي لم تسمح الظروف بأتمام كتابتها ، لندرك مدى خصوبة الانجاز الشعري الهائل التي تميزت به تلك الفترة من حياة الشاعر.

وأزعم أ ن قصائده الطويلة التي لم يتضمنها ديوانه الاول مثل (حرز) (ابن ديرتنه حمد) (حجام البريٍس) و (حسن الشموس)(يانهران اهلنه) (براءة)، تنتمي بروحية كتابتها الى تلك الحقبة من الزمن ايضا.

اعقبت تلك السنوات قصائد قليلة لاتتجاوز اصابع اليد الواحدة مثل (جيفارة) (مشتاك ياديرة هلي) (العب ..العب) (كالولي) (ليل البنفسج)(موحزن) (شكواطيب من أذيتك) (بعدك انت كلشي) (حمام نسوان) كتبت خلال اكثر من ثلاثين عاما، كأنما شهدت شاعرية النواب (التي اثمرت خلق مسار مغاير في مسيرة الحركة الشعرية) تراجعا سنحاول تبيان اسبابه في وقت لاحق، لكن تلك القصائد القليلة اثبتت ان الرجل مازال اكثر شبابا ، رغم العنفوان الحاد لمرور السنين
واحتفظت بتميز شعري اقوى وتطور تسهل ملاحظته.

وربما كان السبب الاول في تحول الشاعر في مرحلته الاخرى، وكتابة القصيدةالحديثة ( الفصيحة)، تباعده عن دائرة الوجدان الشعبي ومصائره واسئلته التي كانت ملهما دائما له، وانتزاعه في بيئة مختلفة بعيدا عن اجوائه الاليفة الصميمة وأناسه الذين عاش معهم فترات تشرده واحلامه الاولى ، وابتعاده عن تلك المفردات اليومية التي كانت تملأ ايامه ودفاتره، اضافة الى اطلاعه الدائم والاكيد على مسيرة الشعر العالمية ومحاولته الاتجاه لكتابة المسرحية الشعرية ، اضافة الى ارتياده اّفاق تجربة نضالية جديدة على افق اخر . وجاء السبب الاهم في رأيي، في اتجاه الشاعر الى هجر الكتابة باللهجة ، الى انحسار الكتابة الدارجة في اقطار عربية عديدة ، بعد رحيل كتابها الكبار امثال بيرم التونسي وصلاح جاهين وميشال طراد والرحابنة، وتوقف احمد فؤاد نجم وتوجه عبد الرحمن الابنودي وسيد حجاب ومأمون الشناوي وعبد الوهاب محمد الى كتابة الاغنية ومقدمات المسلسلات التلفزيونية، ولكن ربما كان السبب ذو الوزن الاكبر هو منع السلطات العراقية المغنين من غناء قصائده ونشرها وسجن من يتداولها او يروجها بأية طريقة، كانت رغم ان موضوعة قصائد النواب الدائمة كانت عن الحب العذري والهجر، وقصائده السياسية توقفت ضد مقارعة الاقطاع والسلطات الرجعية عبر المتغيرات الاجتماعية التي اقتضتها ظروف غليان تلك المرحلة العارمة، مما حدى بصحف يسارية ايضا لاتخاذ موقف متجاهل من اشعاره واخباره للعامل نفسه.

صدر ديوان (للريل وحمد) عن احدى مطابع بيروت الاهلية، بعد اشهر قليلة من هجرة الشاعر، واقناعه الدولة بضرورة اشرافه على طبع ديوانه الشعبي بعد العفو العام الذي ناله في 5 سبتمبر 1968 ، ولكن بدا ان الشاعر لم يستقر به المقام في بيروت ذلك الحين، (ويقال انه اشترك في المقاومة الارتيرية ضد حكومة الامبراطور هيلاسي لاسي)وهذا ماتشير اليه الاخطاء المطبعية الجائرةالتي انتشرت في اسطر القصائد، غير ان ذلك لم يكن مهما لقارئه المتلهف، حيث كانت اغلب قصائد الديوان محفوظة عن ظهر قلب في ضمير جيل كامل، دأب على كتابة تلك القصائد في دفاتر خاصة لايزال يحتفظ بها العديد من افراد ذلك الجيل، ناقلين من ابياتها اطرافا حلوة الى نصوص رسائلهم الغرامية ، بالاضافة الى الكاسيتات المهربة والمسجلة بصوته الشجي والتي كانت زادا للجلسات الخاصة بين الشباب المثقف ، ولم يسبق لديوان شعري في السابق او في اللاحق ان نفذت طبعاته المتوالية قبل وصوله بطائرة الشحن كديوان الريل وحمد.

والطبعة التي بحوزتي الان مجهولة الناشر والتأريخ تقول ( انزلنا هذه الطبعة بالنظر لنفاذ الطبعة السابقة وبعد استئذان المؤلف ،و نعتذر للاخطاء وقد حاولنا جهدنا تثبيت جدول دقيق بالخطأ والصواب –التوقيع – الناشر).

وهناك اختلاف في قطع الديوان عندما طبع في طبعته الثانية، مما يدل على ان دار نشر اخرى قد تولت مهمة طباعته ، الا ااخراجه الفني والذي تم بطريقة الاوفسيت حمل نفس اخراج وشكل الطبعة الاولى بما فيها الرسوم الداخلية ولوحة الغلاف التي قام برسمها الفنان ضياء العزاوي مستلهما فيها مضامين قصائد الديوان العشرين واجوائه، وطالما اشتكى الشاعر ومرارا من تلك الطبعات ، خلال احاديثه الصحفية ، ولم يقم احد بتقديم الديوان مثلما رأ ينا عام 1959تقديم الشاعر سعدي يوسف المعروف بتحمسه لكل جديد لقصيدة الريل وحمد وهو يقول في مقدمته الانفعالية ( انني اضع جبين شعري كله في طريق الريل وحمد) في مجلة المثقف الجديد البغدادية .الا ان النواب قام بكتابة كلمات نثرية متعجلة كاستهلال للقصائد مع نص شعري مقتطع من مسرحية ربما كان اكملها او نوى تكملتها ولم تسنح له الفرصة ، لاننا لم نسمع بها بعد ذلك واسمها ( الشاعر ليس استيراد) كانت نواة لاتجاهه العارم نحو كتابة قصائده الفصحى بعد ذلك .

وقد خلا الديوان من قصائده السياسية التي اشتهرت في تلك الفترة مثل (ابن ديرتنه حمد-جيفارة- حرز – حسن الشموس - براءة - حجام البريس) واقتصر على قصائده الرومانسية الغنائية التي اراد الشاعر ايصالها الى مختلف القراء ، وربما ارتأى ناشره ان تلك القصائد ستحرم دخول الديوان الى السوق العراقية وغيرها. اما النقود التي كتبت عنه فقد كانت قليلة بالقياس الى شهرته بعضها في جريدة النور البغدادية لكاتب هذه السطور ومقالة في مجلة الثقافة للشاعر كاظم غيلان واخرى للشاعر كاظم البياتي في الثقافة الجديدة وقيس احمد النائب وسعدي سماوي في الراصد الاسبوعية ،وكانت اغلب
المقالات عبارة عن اطراءات ترحيبية بصدور الديوان وكنت اذكر يومها ان العديد من قارئي الديوان يبتهجون كثيرا حينما تنشر اية مقالة عنه ، وليس من المفيد ان نبالغ في هذه النقطة لان الوعي النقدي لم يكن متطورا اّ نذاك ولم تكن قد ظهرت بعد ملامح اسس نقدية على خارطة الساحة الشعرية او لم توجد لها اصول قطعا ، وقليلة كانت ومازالت تلك الدراسات البدائية التي اهتمت با لشعر الشعبي وتراثه ، فلم يحظ الفلكلور العراقي والشعر الشعبي والتراث الوطني بدراسة جامعية يوما طيلة النصف القرن الماضي لاسباب فوقية وقومانية معروفة ، اضافة الى النظرة المتعالية التي كانت تتعامل بها السلطة مع فن الشعب واّدابه.

وعي البداية :

من يتتبع المسيرة الشعرية لمظفر النواب يكتشف ان محيطا نقديا ووعيا صارما قد وضع الشاعر نفسه فيه منذ بداياته من حيث مساءلته لبناء القصيدة او مظهرها التشكيلي ونسقها الشعري المدهش ضمن خطاب حداثوي متحرر ومنجز جمالي اوقد وجدانا حميميا بين ملامح جيله واعماق الذاكرة الجمعية لشعب كامل ، جعلت منه شجرة رمز باسقة في روضة الغناء الشعري العراقي ، وبات عصيا لمن يتقصى اثر سقطة او هنة في تلك اللجة الفوارة او النظام المتناسق في خطابه الشعري المتمكن والذي لايشبه احدا الا نفسه ، وذلك كما اشرنا بسبب تعامل الشاعر المحكم والمحاسبة الدؤوبة للنفس وعدم تساهله في موضوعته وبنائها الخاص والعام او توافق شكل القصيدة ومضمونها ووحدة وخصوصية الاجواء واّ لية تكونها وتمظهرها حيث اكسبته تلك المهارة التي قل نظيرها تفردا بين شعراء العامية الكبار في الدول العربية ،ومهدت لشهرته اللاحقة كأحد ابرز شعراء العربية الاستثنائيين.

وربما كان تردده الاول امام (صلاح خالص) و (علي الشوك) وهو يطلعهما على قصيدته الاولى للريل وحمد التي كتبها بين اعوام 1956-1958 هو الهاجس الذي اعتمده النواب طيلة حياته الشعرية ، ولم يتوقف احد بالفعل على بداية منشورة له في أي مكان اخر ، ومن المرجح انه ابتدا كتابة القصيدة العمودية منذ ذلك التأريخ ولعل قصيدة (حمدان يارب القرامطة) وهي احدى قصائده المنسية ،كانت من تلك البدايات ، فالنواب دائما ينسب في ذكرياته اطلاعه الكامل على الشعر العربي في مختلف عصوره وخصوصا شعر المتنبي والمعري ومنذ بدايات تكونه الشعري ، يشهد بذلك انه خريج دار المعلمين العالية قسم اللغة العربية.

وكما عرفنا ان زهو قصيدة النواب وتدفقه الشعري العامي، كان حصيلة فورة شبابه الاولى ، رأ ينا ان استقرار العمر قاده الى الفصحى بكافة تلاوينها ، سيما وان دأب الشاعر على ارتياد خط تطور شعريته الخاص ومغامرته في خوض اجواء تهكمية لم تألفها القصيدة الحديثة وان لم تبتعد عن توجهات قصائده العامية ومنظوراتها يسرت لاكتشاف طريق العازف المنفرد، اضافةالى تمثله وانحيازه عبر اشعاره ومواقفه للحرية والعدل وا لجمال ، والحق ان قصائده التجديدية في الشعر الشعبي برغم نفيها للطريقة التقليدية القديمة وأغراضها لدى ممثلها الاكبر الحاج زاير واقطاب جيله، الا انها تستعيد اشكالها وتتبنى عين تراتبيتها وحتى تفعيلاتها ، ولكن ممارستها لتجريبيتها الداخلية اعانتها على اكتشاف طريقتها الخاصة في تكوين الذوق الشعري الجديد والتهيئة له، فجاءت (للريل وحمد وفوك التبرزل ومامش مايل ونكضني النهد وصويحب ) على غرار شكل الموال ، مستفيدة من تفعيلة بحر التجليبة وهو مايناسب بحر الكامل في الشعر الفصيح ( أجلبنك يليلي اطنعش تجليبه – تبجي المسعده وتكول مدري به) (ارد اشري جنجل والبس الليل خزامه – وارسم بدمع الضحج نجمه وهوه وشامه). كما انه استثمر مجزوءات بحر الكامل المذال في اكثر قصائده الملحمية الطويلة (متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلان) نظرا لما يتيحه هذا البحر من ليونة وغنائية صافية وتنغيم كما في ( زرازير البراري –حسن الشموس - ولاازود – وبراءة ).

وهو في بحثه الدائم لارتياد مواضعات بديلة وجد ان تقنيات الموال الشعبي وقفلته تحقق تناقضا مع محتوى قصيدته الذي يقترب من الايديولوجيا بعض الاحيان ، ولاتمنح توافقا بين موضوع النص ومدلولاته ومقترباته ، وفي محاولته لطرق مناح اخرى غير تقليدية كتلك التي سيطرت على قصائده الاولى التي اتت على غرار محاكاة الاستهلال التقليدي المعروف(اهنا يمن جنه وجنت جينه ووكفنه ببابك – ولف الجهل ماينسه شمالك نسيت احبابك ) كما في ( زرازير البراري – ولا أزود - جايتنه مزنه) لذا لجأ النواب الى الديكور السيابي متأثرا بمفتتح انشودة المطر عند السياب في توجهه الى رصد الحركة الداخلية ضمن مغامرة تشكيلية وصفية تحدث فينا تأثيرا خاصا وتساعد في ابراز ورصد العالم الذي تقدمه القصيدة بدقة متناهية ، وليس ادل من هذا الاستهلال الذي يحيلنا الى ( عيناك غابتا نخيل ساعة السحر او شرفتان راح ينأى عنهما القمر ) (تنذل نجومج يالدنيه - وعيناي بليلج مشتعله)او ( ياما توجي بجروفج نجوم الليل – والكمره خذوهه بعيد الغراريف - يانهران اهلنه) او ( اشكد نده نكط عالضلع ونسيت اكلك يمته – اشكد رازقي ونيمته – وشكثر هجرك عاشر ليالي الهوه ومالمته ) .
زعيم الطائي

قراءة في عالم بدر شاكر السيّاب الشعري

في مدينة البصرة ذات النسب الأدبي العريق التي أنجبت ( الأخفش - بشار بن برد - الجاحظ -ابن دريد - رابعة العدوية - سيبويه - الفرزدق - ابن المقفع ) وفي إحدى قراها - جيكور - ولد الشاعر في العام 1926 لأسرة متوسطة الحا
ماتت أمه وهو في سن السادسة ، وتزوّج أبوه فرعته جدته ، أتمَّ الشاعر دراسته الابتدائية في العام 1938 وأرسله جدّه إلى البصرة ليتابع تعليمه الثانوي ، اختار الشاعر الفرع العلمي برغم موهبته البارزة في اللغة والأدب العربيين ، وفي العام 1942 أنهى دراسته في الفرع المذكور ، وفي نفس العام تموت جدته وبفقدانها يفقد الشاعر صدراً حنوناً رعى طفولته ، وفي العام 1943 بدأ السيّاب رحلته في بغداد حيث كانت تصطرع التيارات الأدبية والسياسية ، وأصبح بدر شاكر السيّاب طالباً في دار المعلمين في بغداد ، وفي عام 1946 فُصل من دار المعلمين بسبب تحريضه الطلاب على الإضراب ، وفي حزيران من نفس العام كان السيّاب من بين الطلاب الذين اعتقلتهم السلطات لمشاركتهم في المظاهرات العنيفة ضد السياسة البريطانية في فلسطين ، وكان قبل ذلك قد منع التدريس لمدة عشر سنوات بسبب مواقفه السياسية ، عمل السيّاب بعد ذلك ذوّاقة للتمور في شركة التمور العراقية ثم في شركة نفط العراق بالبصرة ، ثمَّ انتقل إلى بغداد ليعمل مأموراً في مخزن شركة لتعبيد الطرق ، وعمل في الصحافة على فترات متقطعة ، ونتيجة الأحكام العرفية والإعتقالات الواسعة ، هرب الشاعر إلى الكويت 0 مما سبق ذكره ، يتبيّن لنا أنَّ الشاعر عاش في وسط اجتماعي فقير مادياً .. والمقصود بالمادة المصدر المالي الذي يؤمّن للشاعر الحياة الحرّة الكريمة ، ولقد كان الفقر غربة في أبعاده الأخرى ، غربة لامست فيه شغاف القلب ، وأمام هذه الجراح التي أحدثتها الأيام في نفس السيّاب ، نجده يرتد أبداً كرجل ، إلى المرأة ، كلما سكنه الخوف من الدنيا وتكالبت عليه مصائب الحياة ، إنها الحب الذي لا قبله ولا بعده ؟
الأسطورة في عالم السيّاب الشعري :
عبر هذه الملامسات الحارة للواقع الذي عاش فيه السيّاب ، لجأ إلى الأسطورة بسبب الحالة التي عاشها وظروفه الخاصة التي جعلته يؤمن بأنه واقعاً ماديا لا شعرياً ، وهذه القناعة كونتها تلك الظروف ، فراح يبحث عن بديل لملئ حالة الفراغ الروحي الذي يعاني منه ، هذا بالإضافة إلى المخزون الثقافي الرفيع الذي تميز به السيّاب مستقياً إياه من عدة مصادر سنأتي على ذكرها لاحقاً ، ( ووجد السيّاب أن ملاذه الوحيد هو العالم الأسطوري الذي يمكن أن يمده بطاقة سحرية تعوضه عن كل ما فقده) باعتبار الأسطورة فكراً إنسانياً بدائيا حمله السيّاب موقفاً خلافاً تبدى في فهمه للواقع المعاش و محاولة تغييره بأن أظهر ثغراته و تناقضاته وعلاقاته غير الحميمة ، بأن أظهر زيف المدينة التي يعها التضاد والتدهور والتطاحن ، وإن دل موقفه هذا على شئ فإنما يدل على فهم وانتباه عميقين و دقيقين لعملية توظيف الأسطورة ، هذه العملية التي لا تقوم إلا على وعي تام بجوهر رافدها الإنساني وأصبح السيّاب الرائد الأول في هذا المجال - حسب تقديري - . إن استخدام السيّاب للأساطير لم يكن هروباً من الواقع كما كان عند غيره ، بل لجأ السيّاب إليها كغاية لتحويل واقعه وتصويره عبر ذكريات البشر البدائية ، وليخفف عما به من معاناة نضيف إلى ذلك أن السيّاب بثقافته واطلاعه على الآداب المحلية العربية بكل عصورها ثم الأجنبية عبر اطلاعه ودرسه شعراء مثل ( بودلير ـ رامبو ـ ريكله ) تأثر بالمذهب الرمزي و الأسطورة مادة غنية بالرمز تغذي شعر الثر ، ولقد اعتمد الشاعر على أساطير العرب القدماء (بابلية ـ آشورية ) بالإضافة إلى الأساطير التي دونها قدماء اليونان وغيرهم كأسطورة أدونيس إله الخصب والنماء الذي يقضي نصفاً من السنة ـ الشتاء ـ في العالم السفلي مع برسفونة والنصف الآخر ـ الربيع ـ على الأرض مع فينوس آلهة الحب ، لنقرأ السيّاب : أزهار تموز ما أرعى أســـلمه في عتمة العالم السفلي إيـــاها أم صل حواء بالتفاح كافأنـــي وهو الذي أمس بالتفاح أغواها ومن الرموز التي وظفها السياب في شعر ـ العنقاء ـ ذلك الطائر الخرافي المعروف منذ الجاهلية : عنقاء في مسعر الجوزاء أعينها والصخر يرفض من أظلافها شبها وكذلك شخصية ـ أوديب ـ في الأسطورة اليونانية ، أوديب الذي تزوج أمه ـ جوكوست ـ وهو لا يدري بأنها أمه بعد أن قتل أباه ملك طيبة : من هؤلاء العابرون أحفاد أوديب الضرير و وارثوه المبصرون ... و ـ أفروديت ـ التي ولدت من زبد البحر ونزلت البر محمولة على صدفة المحار : مترقباً ميلاد " أفروديت " ليلاً أو نهارا أتريد من هذا الحطام الآدمي المستباح دفء الربيع وفرحة الحمل الغرير مع الصباح و ـ أبولو ـ إله الشمس الجبار الذي أحب ـ دفني ـ وطاردها محاولاً اغتصابها ، فاستنجدت بأبيها ، فرشها بحفنة من المال وأحالها إلى شجرة غار تضفر من أغصانها الأكاليل للأبطال: هي لن تموت سيظل غاصبها يطاردها وتلفظها البيوت تعدو ويتبعها " أبولو" من جديد كالفضاء وكذلك ـ آتيس ـ إله الحب عند سكان آسيا الصغرى مما يدلل على غنى المصادر الأسطورية وتنوعها في شعر السياب الذي استخدم في شعره أيضاً رموز الطبيعة متوجاً إياها برمز المطر الذي عصف بأغلب بأغلب القصائد التي كتبها الشاعر بفترة من فترات إبداعه المتواصل وركز على هذا الرمز باعتباره رمزاً للحب والحياة وانتفاء الظلم وتحقيق العدل والمساواة ، نقرأ في قصيدة أنشودة المطر : أتعلمين أي حزنٍ يبعث المطر ؟ وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر ؟ وكيف يشعر الغريب فيه بالضياع ؟ بلا انتهاءٍ ـ كالدم المراق ، كالجياع كالحب ، كالأطفال ، كالموتى ـ هو المطر ؟ ومن المطر انبثق البرق والرعد كرمزين من رموز الثورة ، الثورة ضد الظلم : أكاد أسمع العراق يزخر الرعود ويخزن البروق في السهول والجبال حتى إذا ما فض عنها ختمها الرجال لم تترك الرياح من ثمود في الواد من أثر كذلك اتخذ السياب من ـ بابل ـ رمزاً للعراق ، عراق النخيل وجيكور وبويب : وسار صغار بابل يحملون سلال صبارٍ وفاكهةً من الفخار قرباناً لعشتار إن ثقافة الشاعر المسمدة من فهمه لواقعه و من دراسته للأدب العربي عموماً والإنكليزي التخصصي ، قد منحاه آفاقاً قلّما حلّق شاعرٌ آخرٌ فيها ، لقد مزج الكثير من الشعراء شعرهم بالأساطير لكن الأسطورة في عالم بدر شاكر السياب الشعري قد شحنت بطاقة جديدة ، إذ بثها السياب روح الواقع بمتناقضانه ومفارقاته ، فغدا الواقع المذكور مؤسطراً ـ إذ صح التعبير ـ للغلو الذي وشّى الحياة بشكل عام في الفترة التي عاش بها الشاعر في العراق ، أضفى على الأسطورة ـ مادية ـ قربتها من الواقع أكثر فأكثر ، هذه الجلية أضافت من خلال قصائد السياب عبقاً وسحراً وجمالاً ، قلما عهدناه في قصائد شاعر آخر .
السياب .. ورحلة الألم :
لن ننسى فترة الألم التي قضاها الشاعر متنقلاً بين المشافي والأسرّة ، حاملاً معه المرض الوبيل الذي أصابه ، فأتى على جسده شيئاً فشيئاً حتى أذابه ، إن الشلل قد تسلل إلى أعضائه ليمتها عضواً عضواً بعد أن عانى من آلام الفقر ، ولقد أنفق الشاعر ماله القليل في سبيل الشفاء، وتغرب عن وطنه وفارق زوجته وأطفاله مسافراً إلى أوربة لتلقي العلاج على نفقة بعض المسؤولين الذين أهداهم دواوينه الشعرية ، وفي هذه المرحلة تدخل قصائد الشاعر عالماً جديداً قوامه الشكوى والتذمر والأنين والتفجع على الحال التي وصل إليها جسده الضئيل المتعب ، ليتكئ على الأسطورة ، عارضاً آماله من جديد بالشفاء البعيد المنال لجسدٍ يذوب كالشمع تحت وطأة المرض ، فتتشح قصائده بالسواد وبالحزن القاتم : ويمضي بالأسى عامان ثم يهدني الداء تلاقفني الأسرّة بين مستشفى ومستشفى ويعلكني الحديد .
السياب .. رائد و مجدد :
رغم المرض والموت النفسي الذي قيد السياب في فترة قعوده الجسدي ، كان شاعرنا لا يزال يحلّق ويحلّق كرائد من رواد الحداثة في عالم الشعر العربي المعاصر ، وبدءاً من ديوانه الأول ـ أزهار ذابلة ـ الذي طبع عام 1948 بعد تخرجه من الكلية ، كان يجوب الآفاق بعزفه الفريد، وتشاء الأقدار أن يكون أمام شط العرب تمثال رائد الشعر العربي الحديث بدر شاكر السياب صاحب قصيدة ـ أنشودة المطر ـ التي خرج فيها على عروض الفراهيدي فكان من أبرز الشعراء العرب الذين حرروا القصيدة من أشكالها التقليدية الموروثة ، في مقابل تمثال ـ الخليل ابن أحمد الفراهيدي ـ مؤسس موسيقى الشعر ، والواقف في إحدى ساحات البصرة . إن كثرة الدراسات التي نطالعها عن السياب وشعره ، والدراسات الأخرى التي تتعرض لظاهرة الشعر العربي الحديث بكل تياراته التجديدية من التفعيلة حتى قصيدة النثر ، تؤكد أن مسألة الشعر الحديث لم تعد في مجال الجدل من حيث تأكيد الوجود أو عدمه .
السياب و النقد :
كان السياب رائداً من رواد الحداثة وقد تناول النقاد شعره بالإسهاب برغم الجدل الذي أثارته هذه المدرسة الجديدة الصاعدة ( وتبدو التفرقة بين مصطلحي ـ الحديث والمعاصر ـ أمراً ملحّاً في ضوء اضطراب مصطلح ـ الحداثة ـ وتغير دلالاته ، وإذا كان المعاصر مصطلحاً يعني الزمن ، فإن ـ الحديث ـ يعني الأسلوب والحساسية ، المعاصر محايد الإحالة ، في حين أن مصطلح الحديث يتضمن حكماً ووضعاً نقدياً ، ولعل من المفيد أن نذكر أن العمل قد يوصف بأنه حديث ولكنه بعيد عن عصرنا ، كما أن بعضاً من العمل المعاصر ليس حديثاً ) . ( بهذا المعنى لم يكن السياب بعيداً عن واقعه وعصره ، بل على العكس من ذلك التصق بواقعه التصاقا كبيراً واعياً وناقداً للظروف التي يعيشها الشاعر ويعيشها أبناء شعبه ، فكان صوتهم المدوي ضد الظلم والإجحاف ، لكن بدء تسلسل جسده إلى العالم الآخر أضفى على السنوات الأربع الأخيرة ـ فترة المرض ـ عالماً محموماً من البحث عن الشفاء و لو في الخيال فتلونت قصائده بتلك السوداوية القاتمة ، وقصائده التي ضمها ديوانه المميز ـ إقبال وشناشيل ابنة الجلبي ـ تشهد على ذلك ، لهذا السبب كان تركيز النقاد على السياب شاعراً مبدعاً ومفجراً لطاقات شعرية خلاقة جعلته في سنوات قليلة يغزو عالم الشعر ؟ فارساً مجدداً في الشكل والمضمون ، فكانت قصيدة الحداثة ، الوافد الجديد مع من بدء قبله أو بعده أم ممن عاصره إبداعيا ) . ( لقد كانت قصيدة السياب الحرة خارج العمود الشعري الصارم إيذاناً بالانتقال بالقصيدة العربية من الموسيقى المؤطرة إلى العالم الفسيح فكانت ـ أنشودة المطر ـ تاريخاً جديداً للشعر العربي المعاصر وبرغم التنوع الهائل في تناول الشعر السيابي من جوانب عديدة ومختلفة وعبر قراءات متجسدة ومستفيدة من أحدث مكتشفات الصوت فإن قصيدة ـ غريب على الخليج أصيحُ بالخليج يا خليج يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى فيرجع الصدى كأنه النشيج هذه القصيدة تبقى الأسبق في الكتابة والإنشاء وفي منحى الذائقة الشعرية العربية الحديثة ، إن قصيدة السياب لم تتكرس إلا بعد سنوات طويلة وبعد ما نشر في الدفاع عنها شعراء و متذوقون للشعر وطليعيون مجهولون ).
أهمية تجربة السيّاب الشعرية :
( إن التغيرات التي حدثت في شكل و مضمون القصيدة كانت انعكاساً لتغيرات جذرية حصلت في الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للإنسان العربي لذلك يجب النظر للقصيدة الحديثة كونها وبشكل مركز لمدى تفاعل مبدعها مع مجمل الظروف الراهنة ) . وشاعر مثل بدر شاكر السياب عاصر وعايش هذه الظروف لحظة بلحظة بادئاً بمحيطه الأسري من وفاة أمه إلى وفاة جدته إلى التغيرات التي عصفت بالعراق والعالم العربي وصولاً إلى ـ النيرفانا , نهاية الألم ـ حيث تمدد جسد السياب بلا حراك بعد أن أصيب بالشلل لتدخل القصيدة عنده عالماً آخراً ، سبق ذكره . وتنبع الحداثة فيها لغة وأسلوباً عن طريق الجمع بين الشكل و المادة واعتبارهما شيئاً تام الأجزاء . لقد التصق السياب أحاسيس ومشاعر بأرض ـ جيكور ـ قريته التي أدخلها ـ مكانياً وزمانياً ـ عالم الشعر وبالتالي التاريخ ، ليرتبط اسم جيكور باسم السياب كلما لفظ اسمه أو اسم قريته الصغيرة الوادعة وقد أصبحت في نسيج قصائده الشعرية ، كذلك التصق بهموم وأحلام وطموحات أبناء الشعب العراقي والعربي عموماً ، منطلقاً في بعض الأحيان من ذاتية مشبعة بالألم نتيجة وضعه الصحي وأحياناً أخرى من عوالم استقى منها السياب مادة أولية لصياغة القصيدة الشعرية عنده كالأساطير وثقافته الإنكليزية خصوصاً والأوربية عموماً ولم ينته هذا النزف الشعري الذي استمر لعدة عقود من الزمن إلا مع توقف نبضه بعد أن جف الزيت في عروقه .
ـ النهايات ـ رحلة الألم :
من مستشفيات بيروت حيث بدأت مأساة الرحيل بحثاً عن الترياق إلى لندن إلى باريس إلى العراق إلى المستشفى الأميري في الكويت ، سلسلة من الآلام الطويلة بدأت عام 1961 إلى آخر عام 1964 و الشاعر المريض يعاني مرارة الألم ومعها مرارة الفقر وفي 24ـ12ـ1964 جاء الموت ينثر جسمه أباديد كما أراد ولكن ليكتب اسمه بعد ذلك بين أعظم شعراء الألم ، وعند دفنه حضر أربعة فقط ؟ ـ إقبال زوجته وابنه غيلان وشقيق زوجته وصديقه الشاعر الكويتي علي السبتي ـ عائداً إلى عالم الأبدية السرمدي ، غائباً بجسده حاضراً بشعره وفي كل كلمة خطتها يده ، واقفاً من جديد على ضفة شط العرب تمثالاً يستمع إلى مناجاة صديقه الشاعر محمد الماغوط :
أيها التعس في حياته وموته قبرك البطيء كالسلحفاة لن يبلغ الجنة أبداً الجنة للعدائين و راكبي الدراجات .
كمال عبدالله

أدونيس...الاشكالية المتجددة : لا وجود للثقافة في البلدان العربية

شعري عربي وابحاثي في ديوان الشعر العربي
الأنثى هي الكون والرجل ريح عابرة
ـ أدونيس: لم أكن حزبياً جيداً على المستوى النظامي.
ـ أنطون سعاده لم يطلق عليَّ لقبي.
ـ مَنْ يخدم الثقافة الغربية هو البرامج التربوية العربية التابعة للغرب.
ـ لا وجود للثقافة في البلدان العربية.
ـ شعري عربي وأبحاثي في ديوان الشعر العربي.
ـ الأنثى هي الكون والرجل ريح عابرة.
ـ المرأة العربية أكثر تقدماً من الرجل العربي.
كان أدونيس لقرون خلت اسماً لإله، أما اليوم فهو لقب لشاعر عربي أمير على عرشه، والألوهة عنده أندر من ألوهة الأسطورة.
اشتهر أدونيس بالشعر شهرة واسعة وكانت له مدرسته في القصيدة المنثورة واتجاهه وصيغته حيث لا يمكن لأي أحد أن يقلده بسهولة، هو كاتب مسهب وناقد ومفكر صعب المراس له نظريته في التحولات. باستطاعتك أن تفهمه أحياناً ولكن قد يأخذك إلى صحراء من التعابير والكلمات وتتيه فيها من دون أن تدرك ما يقوله شعراً أو نثراً.
لقد أثار أدونيس جملة هائلة من الحملات النقدية العاصفة ضده من أكثر من أربعين عاماً سواء ما يخص شعره الجديد أو ما يخص كتاباته المليئة بالأفكار المخالفة والمشاكسة أو غير المدركة لما هو سائد في الثقافة العربية اليوم. واختلف النقاد، الموزّعون في المشارق والمغارب العربية، فيه اختلافاً كبيراً حيث تجد قسماً منهم لا يتقبل حتى ذكر اسمه لأسباب بعيدة كل البعد عما في نصوصه وكتاباته لكن فقط لأنهم سمعوا قائلاً عن قيل بأن أدونيس شاعر ملحد وكاتب ضال، ومجموعة أخرى من النقاد لهم جملة من المواقف المضادة تجمع أغلبها على أن ما يعلنه أدونيس هو على عكس ما يبطنه فهو فنان باطني من الطراز الأول، والمجموعة الثالثة ترى أنه واحد من أهم المثقفين المعاصرين وقد تميز عنهم جميعاً بسمات وعوامل فرضتها عليه بيئته ومراحل حياته التي عاشها.
بدايات أدونيس
ولد أدونيس واسمه الحقيقي علي أحمد سعيد اسبر في قرية «قصابين» قرب بلدة جبلة السورية عام 1930، لم يعرف مدرسة نظامية قبل سن الثالثة عشرة. لكنه حفظ القرآن الكريم على يد أبيه، كما حفظ عدداً كبيراً من قصائد القدامى فعرف المتنبي وأبا تمام، والبحتري والشريف الرضي..
«اجتذبني في البدء صفاء شعر بدوي الجبل وما فيه من أصالة وعمق تاريخي ومتانة كلاسيكية، فكان له التأثير الأوفى في «قالت الأرض 1949» فيما بعد وفي «قصائد أولى 1957» انتقل التأثير إلى سعيد عقل. فكنت آنذاك بين اللغة المصفاة فنياً لغة سعيد عقل واللغة المصفاة روحياً لغة بدوي الجبل».
حدث غيّر حياة أدونيس
في عام 1943 ـ 1944 حصلت سورية على استقلالها وانتخب شكري القوتلي رئيساً للبلاد وآنذاك وقرر القيام بزيارات إلى المناطق السورية ومن بينها الساحل السوري وهنا كان حلم أدونيس بلقاء الرئيس وإلقاء قصيدة شعرية أمامه من تأليفه.
وفعلاً تحقق حلمه وألقى القصيدة التي أعجب بها القوتلي وأمر بتعليمه على نفقة الدولة في مدرسة اللاييك بطرطوس، فبهذا اللقاء تغيرت حياة أدونيس وحصل على فرصته بالتعليم ولينتقل بعدها إلى مرحلة جديدة.
الحزب السوري القومي الاجتماعي
دخل أدونيس الحزب سنة 1945 وتركه 1958 وسمي خلال هذه الفترة بشاعر الحزب. لكن ما هو سبب دخول أدونيس الحزب القومي بدلاً من الحزب الشيوعي الشائع في تلك الفترة؟
«منذ دخولي اللاييك أخذ الشيوعيون يعملون على اجتذابي إلى الحركة الشيوعية ولولا المصادفة لكنت دخلت الحزب الشيوعي».
كانت المصادفة في تلك الفترة أنه استيقظ ذات صباح فوجد أمتعة وأسرة لطلاب طردوا من المدرسة، كان الطلاب من الحزب السوري القومي وقد تظاهروا ضد الفرنسيين الذين كانت لهم حامية في طرطوس، عندها قرر أدونيس وآخرون الانخراط في الحزب السوري القومي دون أي فكرة مسبقة عنه.
«لا أذكر أنني كنت حزبياً جيداً على المستوى النظامي»
من أطلق عليه لقب أدونيس:
كان من المعروف أن زعيم الحزب القومي أنطون سعاده هو الذي أطلق عليه هذا الاسم ولكن ولسبب ما رفض أدونيس الإقرار بهذه الواقعة التاريخية البارزة.
«أنا الذي أطلقت على نفسي هذا الاسم، ذات مرة وبالمصادفة وقعت بين يدي مجلة قرأت فيها موضوعاً حول أسطورة أدونيس فأعجبت بها وبعدها حدث نوع من التطابق بيني وبين بطلها فقلت في نفسي إن الصحف التي لا تنشر قصائدي هي بمثابة الخنزير البري. وقررت أن أكتب باسم أدونيس، أنطون سعاده لم يطلق عليَّ هذا اللقب، هذه شائعة لا أكثر».
غير أن صحفاً ومجلات قومية سورية يعود تاريخها إلى مرحلة الأربعينيات والتي قامت بتغطية وقائع رحلة حزبية قام بها سعادة إلى اللاذقية ذكرت أن فتى في السادسة عشرة ألقى قصيدة مدح لسعاده والحزب فسأل عن اسمه فكان علي أحمد سعيد فأطلق عليه سعاده لقب أدونيس. كان ذلك في نهاية الأربعينيات أثناء حفلة تكريمية أقامها السوريون القوميون للزعيم سعاده في منطقة اللاذقية.
بعد البروفيه انتقل أدونيس إلى دمشق ليحصل على البكالوريا والتحق بالجامعة وتابع دراسته في قسم الفلسفة والأدب بين 1950 ـ 1954 ونال الأستذة بأطروحته عن الصوفية العربية. وأثناء إقامته في دمشق انخرط في الحزب القومي وتعرف إلى زوجته خالدة سعيد التي كانت ضمن ناشطات الحزب وتزوجها عام 1956 وانتقلا إلى لبنان واستقرا في بيروت وخالدة من أبرز الكاتبات والأديبات العربيات وصاحبة قلم واسم مستقل عن زوجها.
لبنان
في بيروت ولد أدونيس شعرياً وكانت بدايته الشعرية في مجلة «شعر» بالتعاون مع يوسف الخال. وكانت «شعر» علامة بارزة في تجديد الشعر العربي وفي تغيير معنى الشعر. وقد دامت هذه الفترة من عام 1957 إلى 1963 وبعدها افترق أدونيس ويوسف الخال.
الحزب ضد «شعر»
في ذلك الوقت جذبت العقيدة السورية القومية فئات كبيرة ومتنوعة من المثقفين وخصوصاً نظرية سعاده في الأدب التي تحوي مقالات سجالية مع نقاد وشعراء. وكان التأثير على المثقفين بنقطتين الأولى الأسطورة كبؤرة رمزية وحلقة وصل بالماضي القومي والثقافة القومية، والنقطة الثانية هي البعد العمودي والتجربة الشخصية فالشعر ليس انعكاساً للواقع بل بناء للواقع ليس مرآة للمجتمع بل منارة وبهذا المعنى دخل البعد الاستشرافي إلى الكتابة الشعرية.
«يوسف وأنا وكل الذين اتصلوا بمشروع المجلة لم نكن على صلة قريبة أو بعيدة بالمؤسسة الحزبية لأن المؤسسة كانت «ضد شعر» لقد أغريت من قبل مسؤولين حزبيين بترك المجلة وكل ما يشاع عن هيمنة الحزب على المجلة لا نصيب له من الصحة».
بعد «شعر» وبعد نكسة 1967 أصدر أدونيس ومن بيروت مجلة «مواقف» وكانت تعنى بالأنشطة الأدبية والثقافية الجديدة كما أنها أدت دوراً مكملاً لمجلة شعر. كان تركيز أدونيس في أعماله على مسائل انعدام الفكر الإسلامي الخلاق والمرجعية المعيارية التي تنام الفتنة والضلالة بين أهدابها وفشل الفكر القومي والفصل بين السلطة والدين والدعوة إلى اقتداء غالبية العالم العربي بخالقها في تقبل الاختلاف والفكر والإبداع.
سنة 1973 حصل أدونيس على دكتوراه من جامعة القديس يوسف في بيروت وموضوع الأطروحة التي صدرت بعد ذلك كان «الثابت والمتحول». وبدءاً من عام 1981 تكررت دعوته كأستاذ زائر إلى جامعات ومراكز للبحث في فرنسا وسويسرا والولايات المتحدة وألمانيا الغربية وترجمت أعماله إلى ثلاث عشرة لغة، وغادر أدونيس بيروت سنة 1985 متوجهاً إلى باريس بسبب ظروف الحرب.
محطات في حياته
أدونيس واتحاد الكتاب العرب
فصل أدونيس عام 1995 من اتحاد الكتاب العرب في سورية لحضوره لقاء في غرناطة ضم من بين من ضم كتاباً وسياسيين إسرائيليين وغير إسرائيليي،ن وأثار ذلك الفصل ردود فعل واسعة في أوساط المثقفين العرب بين مؤيد لقرار الاتحاد على اعتبار أن سلوك أدونيس يندرج في إطار ما يطلق عليه «التطبيع الثقافي مع العدو الصهيوني» وبين معارض للقرار ومدافع عن أدونيس على اعتبار أن ذلك القرار لا ينقص من مكانته، واجتهد آخرون فقرؤوا القرار قراءة سياسية، وشمل الاهتمام بفصل أدونيس كتاباً من معظم الأقطار العربية وطرح الموضوع في نقاش جدل حول مقولة التطبيع الثقافي. موقف الاتحاد اليوم
وعن هذه الحادثة يقول أدونيس:
«كان مؤتمراً نظمته اليونسكو للبحث في ما بعد السلام لأن اليونسكو تعتبر أن السلام آت، لم يكن المؤتمر حواراً بين العرب واليهود، وإنما كان مؤتمراً للتأمل في مرحلة ما بعد السلام، ودعي إلى هذا المؤتمر زهاء عشرين شخصاً من فلسطين بالدرجة الأولى ومصر والمغرب العربي وسواها وكنت من بين المدعوين العرب.
ما قلته: إن «إسرائيل» اليوم تنتمي إلى المنطقة يعني إلى منطقة قامت ثقافتها أساساً ومنذ البداية على التمازج بين عناصر متعددة ومختلفة منذ السومريين والبابليين والأكاديين حتى الفينيقيين لذلك فالثقافة في هذه المنطقة ثقافة تمازج وتفاعل وأعطيت أمثلة في المناقشة أن العرب أفادوا من جميع العناصر الأخرى التي كانت موجودة في المجتمعات الإسلامية وبشكل خاص المسيحيين واليهود لتكون حضارتهم حضارة منفتحة.
وطرحت على «إسرائيل» أمام الجميع في المؤتمر هل ستعيد «إسرائيل» النظر في ثقافتها ولا أعتقد أن لديها ثقافة في هويتها وهل ستظل ذات هوية مغلقة، لا يمكن أن يكون هناك سلام بين هوية منفتحة حضارية تعترف بالآخر وهوية مغلقة تريد من الجميع أن يكونوا تابعين أو خاضعين لها بشكل أو بآخر، من دون إعادة النظر هذه لا يكون السلام، هذا جوهر ما قلته وهناك غضب اليهود مني غضباً شديداً لأنهم أحرجوا فلم يستطيعوا القول بنعم أو لا فصمتوا صمتاً كاملاً».
أما التطبيع فيرى أدونيس بأنه كلمة من خارج الثقافة ولا علاقة لها بالثقافة، وإذا دخلت اللغة فإنها ستكون أكثر من مقبرة.
«إذا كنت ضد التطبيع حتى داخل لغتي وداخل ثقافتي فكيف يمكن أن أكون مع التطبيع بين لغتين وثقافتين».
أدونيس ونوبل
اتهم أدونيس بأن له مآرب خفية من حرصه على ترجمة أدبه لأكثر من 13 لغة غربية وليرشح إلى جوائز عالمية ومنها نوبل باحثاً بذلك عن المجد والشهرة والمال، وعن الجائزة يقول:
«لم تعنني الجائزة عميقاً في أي وقت من حياتي ولا يمكن لأي كاتب أن يسعى إلى نوبل بل هي التي تسعى إلى الكتاب وتفتش عنهم وهذه من جملة شروطها، ولم أكن وحدي مرشحاً فهناك أسماء عديدة كانت مرشحة والجائزة ليس لها أي قيمة أدبية بل قيمتها مالية فقط».
الثقافة وأدونيس
يرى أدونيس أنه في مناخ البلدان العربية لا وجود للثقافة بوصفها بحثاً حراً مستقلاً عن الحقيقة، فالثقافة العربية هي حالة نفسية أكثر مما هي حالة فكرية بحثية ونفسية بمعنى أن لا أحد يعترف بالآخر فلا يوجد حد مشترك بين المفكرين.
كما يرى أن الإبداع هو التاريخ الحقيقي للبشرية، والسياسة هي جزء من الثقافة ويرى أن البلدان العربية بلدان متخلفة لأنها جعلت الثقافة جزءاً من السياسة وأنها ستبقى على حالها ما دامت تستخدم هذا الأسلوب.
«الحرية باعتبارها المطلب الأساسي لعملية الإبداع والثقافة لا يتفق عليها المثقفون العرب. فهناك الكثير من المثقفين العرب يشعرون بالسعادة إذا اعتقل المثقفون الآخرون».
التراث وأدونيس
قيل إن أدونيس يتعامل بانتقائية مع التراث حيث يقوم بتوظيفه أيديولوجياً لصالح معتقداته وما ينادي به، واتهم بأنه يجيّر الثقافة العربية لصالح الثقافة الغربية وكان يتساءل دائماً عن الكيفية التي يقوم بها الباحث في التراث العربي لخدمة الثقافة الغربية فبنظره أن من يخدم الثقافة الغربية هو البرامج التربوية والتعليمية القائمة على أسس غربية وغير عربية، هذه البرامج التي تتبع بشكل أو بآخر للأنظمة التربوية والثقافة الغربية والمتمثلة أيضاً بالقمر الصناعي والنمط الاستهلاكي وغيرها ويحمل أدونيس على النقاد وإهمالهم لهذه المسألة والذين لا يهتمون من التبعية للثقافة الغربية إلا بأبحاث التراث وبالشعر العربي.
«أتساءل لأي درجة مثل هذا النقد واهن وضعيف إن شعري عربي وأبحاثي هي في ديوان الشعر العربي واللغة العربية»
أما الدين والسياسة، فيرى أدونيس أن ربطهما ببعضهما يفتت المجتمع على العكس من الدعوة إلى توحيده محولاً الصراع الثقافي عن المعنى من أجل مزيد من المعرفة إلى صراع من أجل مزيد من الهيمنة، هيمنة فريق في المجتمع على غيره وهذا ما يحول الصراع في المجتمع إلى نوع من التآكل الداخلي المتواصل بدلاً من أن يكون كما هو الشأن في المجتمعات الشعرية.
«يجب أن يكون الصراع من أجل مزيد من الحرية ومن التقدم ومن البحث والمعرفة» الشعر وأدونيس
يرى أدونيس أن أجمل شيء في الشعر أنه لا يحدد فعندما نحدده نفقده تماماً لأنه حالة لوصف علاقة الإنسان بالإنسان أو بالعالم أو الأشياء ويتجلى النص الشعري في علاقة الكاتب باللغة فالشعر عنده أعلى أنواع التعبير لأنه يستطيع أن يعبر عن كلية الإنسان.
ويرفض أدونيس أن يكون للشعر مرجعية ويرى أن الشعر نفسه يحب أن يثوّر الشاعر على نفسه وعلى الشعر وأن يبتكر قواعده فيما يبتكر شعره إلا قاعدة اللغة فاللغة أداة الشاعر.
«اكتب شعراً عظيماً تخدم قضاياك العظيمة، أما الشعر الرديء فلا يخدم أي قضية»
الشعر الغربي وأدونيس
كثيراً ما اتهم أدونيس أنه مشروع جاهز للتهديم والانكسار كونه متأثراً بالثقافة الفرنسية في حين يرى بعضهم أن الثقافة الفرنسية هي التي تأثرت بأدونيس وأنه حمل على كاهله قصيدة النثر الجديدة، فهو لا يهادن أبداً في نبش الماضي متحلياً بجرأة إطلاق الأحكام التي يراها من دون مواربة أو خجل أو أية تعاطفات.
«كان الشعر الغربي كله خبرة تقنية وما عدا هذه التجربة التقنية كنت أجد إجمالاً مصادر معرفتي الشعرية لا لدى الشعراء بل لدى المفكرين يعني شخص مثل نيتشه ألهمني شعرياً أكثر بكثير مما ألهمني الشعراء الغربيون».
الشباب وأدونيس
يعتقد أدونيس أن مشكلة الشباب العربي الرئيسة هي غياب القدوة إذ يفرغ الواقع القائم على الازدواجية والنفاق الاجتماعي والوحدانية من المثل الأعلى، وحتى على الصعيد الإبداعي يعاني الشباب قلة المبدعين الذين استطاعوا أن يوائموا بين قولهم الإبداعي وواقعهم الجياش.
«الشباب اليوم ومع وعيي الكامل لظروفهم ومتابعتهم والفراغ الهائل الممتد أمامهم أكثر من جيلنا نحن، فجيلنا امتلك مشروعاً ولو أنه وهمي ـ إلا أننا كنا نتحرك ضمن ذلك الحلم وتلك المغامرة الحية، الشباب اليوم أمام أفق مسدود فكأن آباءهم جيش منكسر عائد من المعركة وككل جيش منكسر فإنهم يتلهون بنقد بعضهم، والشباب يرون أنفسهم في بحيرة ضخمة مليئة بالسمك، لكن ماء البحيرة يجف شيئاً فشيئاً فلا يجدون أمامهم إلا التخبط، خاصة أن السمك يأكل بعضه بعضاً، لذلك كان لدي دائماً في نتاجي وكتاباتي شيئان أقولهما للشباب:
1 ـ ثوروا على آبائكم إطلاقاً، مع الاحترام العاطفي، لكن لا تصغوا إليهم.
2 ـ عيشوا حياتكم.«
الأنثى وأدونيس
يرى أدونيس أن المرأة أنوثة الكون وأنوثة العالم. أما الذكر فهو الريح العابرة، وبالنسبة للمرأة العربية فيراها أكثر وعياً وحساسية وتقدماً من الرجل العربي وأنه إذا كان هناك من خلل فهو كامن في الرجل وليس في المرأة. فالرجل العربي مريض معقد منهار، قليل الثقة بنفسه يسقط هذا كله على المرأة لذلك يسعى لامتلاكها كي يعوض نقصه فهي بالنسبة له مجرد ملك ومتعة ولذة فنظرة الرجل إلى المرأة هي التي يجب أن تتغير فالأنثى مرآة الرجل.
«الرجل هو الذي يدفع المرأة إلى أن تتصرف تصرفات لا تشبهها، والحرية في مجتمعنا هي نقطة سوداء على المرأة بالنسبة للرجل الذي يبيح لنفسه كل شيء.»
مبادئ أدونيس في لقاءاته الشعرية
لا يحضر أدونيس أي لقاء شعري أو ثقافي إلا وفقاً لمبادئ يراها أساسية لحفظ مكانة الشعر كما تحفظ للشاعر كرامته وحقوقه، فهي ممثلة في دقة اختيار المدعوين للقاء الشعري وموضوعيته بعيداً عن العلاقات الشخصية معتمداً على معايير فكرية وفنية خاصة مؤكداً على النوعية لا على الكمية التي يؤخذ بها بعضهم كي تكون لهذه اللقاءات هوية ومستوى وبالتالي فعالية وحضور مشبع يرتقي إلى درجة الرمز.
«لكي لا يستمر الشعر عند العرب كأنه مجرد وظيفة ولكي لا يستمر النظر إلى الشعراء كأنهم مجرد أدوات لتسلية الجمهور فقد قررت ألا أشارك في أية أمسية شعرية تضم عدداً من الشعراء قل أو كثر. ولا أقرأ الشعر إلا في حفل خاص بي وفي إطار رفيع يليق بالشعر بحيث يكون الإصغاء إلى الشعر نوعاً آخر من الخشوع».
كان وما زال أدونيس حريصاً على أن يكون المناخ الثقافي الذي ينتمي إليه عالياً ونقياً لأن الثقافة هي التي تفصح عن شخصية الإنسان وهويته وهي التي تتيح له أن يأخذ دوره ومكانته ودوره في العالم فبنظره يجب أن يكون مستوى الخلاف بين الشعراء والكتاب والمبدعين عالياً ونقياً لأنه يؤكد قبل كل شيء على كرامة الشخص وعلى حقوقه وحرياته ودون ذلك لا تتشوه العلاقات والقيم وحدها وإنما تتشوه كذلك اللغة نفسها. «ـ إن أعظم فكرة تصبح أصغر فكرة حين تمر في عقل صغير.
ـ قس نفسك بالعاصفة وتجرأ أن تقف دائماً وجهاً لوجه مع العدم لا «أمن» للإبداع وللثقافة إلا في مجابهة الخطر».
 رشا محفوظ

الاثنين، 21 مارس 2011

دار أكد للطباعة والتوزيع والنشر والإعلان مؤسسة داعمة للثقافة والفن الحقيقيين والراقيين بالإنسانية وثقافتها وحضارتها